ابن عطية الأندلسي

206

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وحلق العانة ، ونتف الإبط ، والاستنجاء بالماء ، والاختتان ، وقال ابن عباس أيضا : هي عشرة خصال ، ست في البدن وأربع في الحج : الختان ، وحلق العانة ، ونتف الإبط ، وتقليم الأظفار ، وقص الشارب ، والغسل يوم الجمعة ، والطواف بالبيت ، والسعي ، ورمي الجمار ، والإفاضة ، وقال الحسن بن أبي الحسن : هي الخلال الست التي امتحن بها ، الكوكب ، والقمر ، والشمس ، والنار ، والهجرة ، والختان ، وقيل بدل الهجرة : الذبح ، وقالت طائفة : هي مناسك الحج خاصة ، وروي أن اللّه عزّ وجل أوحى إليه أن تطهر ، فتمضمض ، ثم أن تطهر فاستنشق ، ثم أن تطهر فاستاك ، ثم أن تطهر فأخذ من شاربه ، ثم أن تطهر ففرق شعره ، ثم أن تطهر فاستنجى ، ثم أن تطهر فحلق عانته ، ثم أن تطهر فنتف إبطه ، ثم أن تطهر فقلم أظفاره ، ثم أن تطهر فأقبل على جسده ينظر ما يصنع فاختتن بعد عشرين ومائة سنة . قال القاضي أبو محمد : وفي البخاري أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم . وقال الراوي : فأوحى اللّه إليه إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً يأتمون بك في هذه الخصال ، ويقتدي بك الصالحون . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : وهذا أقوى الأقوال في تفسير هذه الآية ، وعلى هذه الأقوال كلها فإبراهيم عليه السلام هو الذي أتم . وقال مجاهد وغيره : إن الكلمات هي أن اللّه عزّ وجل قال لإبراهيم : إني مبتليك بأمر فما هو ؟ قال إبراهيم : تجعلني للناس إماما ، قال اللّه : نعم ، قال إبراهيم : تجعل البيت مثابة ، قال اللّه : نعم ، قال إبراهيم وأمنا ، قال اللّه : نعم ، قال إبراهيم : وترينا مناسكنا وتتوب علينا ، قال اللّه : نعم ، قال إبراهيم : تجعل هذا البلد آمنا ، قال اللّه : نعم ، قال إبراهيم : وترزق أهله من الثمرات ، قال اللّه : نعم . قال القاضي أبو محمد : فعلى هذا القول فاللّه تعالى هو الذي أتم ، وقد طول المفسرون في هذا ، وذكروا أشياء فيها بعد فاختصرتها ، وإنما سميت هذه الخصال كلمات ، لأنها اقترنت بها أوامر هي كلمات ، وروي أن إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم لما أتم هذه الكلمات أو أتمها اللّه عليه كتب اللّه له البراءة من النار ، فذلك قوله تعالى : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [ النجم : 37 ] . والإمام القدوة ، ومنه قيل لخيط البناء : إمام ، وهو هنا اسم مفرد ، وقيل في غير هذا الموضع : هو جمع آم وزنه فاعل أصله آمم ، فيجيء مثل قائم وقيام وجائع وجياع ونائم ونيام . وجعل اللّه تعالى إبراهيم إماما لأهل طاعته ، فلذلك أجمعت الأمم على الدعوى فيه ، وأعلم اللّه تعالى أنه كان حنيفا ، وقول إبراهيم عليه السلام : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ، هو على جهة الدعاء والرغبى إلى اللّه ، أي ومن ذريتي يا رب فاجعل ، وقيل : هذا منه على جهة الاستفهام عنهم ، أي ومن ذريتي يا رب ما ذا يكون ؟ والذرية مأخوذة من ذرا يذرو أو من ذرى يذري أو من ذر يذر أو من ذرأ يذرأ ، وهي أفعال تتقارب معانيها ، وقد طول في تعليلها أبو الفتح وشفى . وقوله تعالى : قالَ لا يَنالُ عَهْدِي ، أي قال اللّه ، والعهد فيما قال مجاهد : الإمامة ، وقال السدي :